بهاء الدين الجندي اليمني
259
السلوك في طبقات العلماء والملوك
قال عمارة كان يكتب عن الحرة الملكة السيدة إلى الديار المصريّة والأقطار النازحة وكان من علوّ الهمة وسمو القدر فيما يلبسه ويمتطيه على غاية منيفة وجملة شريفة طريفة ، وأسند الفقيه عمارة إلى بعض من حضر مجلسا له مع الداعي سبأ بن أحمد وقد أراد القيام بين يديه بشعر فمنعه ورمى له بمخدة وأقعده إكراما له ورفعه عن الحاضرين وكانوا أعيانا ثم لم يقتنع سبأ بذلك حتى قال له أنت يا أبا عبد اللّه عندنا كما قال أبو الطيب المتنبي « 1 » : وفؤادي من الملوك وإن كان * لساني يرى من الشعراء فأنشد حينئذ قوله : ولما مدحت الهبزري « 2 » ابن أحمد * أجاد فكافاني على المدح بالمدح فعوّضني شعرا بشعري وزادني * نوالا فهذا رأس مالي وذا ربحي شققت إليه الناس حتى رأيته * فكنت كمن شقّ الظلام إلى الصبح وهذا من شعره في مدح الداعي سبأ ، ومن محاسن شعره قوله في الرسالة إليه : يقيم الرجال الموسرون بأرضهم * ويرمي النوى بالمقترين المراميا وما تركوا أوطانهم عن ملالة * ولكن حذارا من شمات الأعاديا وله الشعر الفائق والنثر الرائق ، منه ما مدح به السلطان سبأ بن أحمد : أبا حمير إنّ المعالي رخيصة * ولو بذلت فيها النفوس الكرائم وجدت مطارا يا ابن أحمد واسعا * إلى غرض لو ساعدتني القوادم وما أنا إلّا السهم لو كان رائش * وما أنا إلّا النصل لو كان قائم فلا تحتقر جفنا يبيت مسهّدا * ليدرك ما يهوى وجفنك نائم فلا عار إن جار الزمان وأهله * إذا لم تخنّي همتي والعزائم أبى القلب إلا حبكم وولاءكم * وإن أنفت فيه الأنوف الرواغم تأمل فكم مال وهبت ونائل * بذلت فلم تثقل عليك المغارم ومن شعره ما كتبه على كأس فضة :
--> ( 1 ) المتنبي هو أحمد بن الحسين الكندي الكوفي وقيل الجعفي المذحجي شاعر الخلود وديوان شعره مطبوع يقال : ان عليه من الشروح خمسين شرحا ومولده في سنة ثلاث وثلاثمائة وقتل في شهر رمضان أربع وخمسين وثلاثمائة . ( 2 ) في عمارة الهزبري وكذا في « قرة العيون » ج 2 ص 265 ، وهما بمعنى واحد هو الأسد .